العربية
NYU Pathfinders logo
إطار السعادة الوطنية الإجمالية: بوتان

بوتان تطبّق نهج السعادة الوطنية الإجمالية من أجل التقدم والرفاه

6 يونيو 2023
تأليف: ماريا كارّاسكو ري، إنترامادا

اعتمدت بوتان إطار السعادة الوطنية الإجمالية في عام 1972، استجابةً إلى الآثار السلبية للنمو الاقتصادي على البيئة والمجتمع. يهدف الإطار إلى توجيه البلد على مسار إنمائي لا ينحصر في الرفاه المادي، بل يأخذ في الحسبان مجموعة من العوامل لتصميم الإجراءات الحكومية وتحديد موضعها على سلم الأولويات، مثل القضايا الإيكولوجية، والأضرار في الحياة البرية، والمسؤولية إزاء البيئة، والرفاه العقلي، والتراث الثقافي، وحيوية المجتمعات المحلية، والقيم الروحية، وغير ذلك من أبعاد الحياة الطيبة.

يتألف إطار بوتان للسعادة الوطنية الإجمالية من مجموعة من المقاييس والمؤشرات الكلية التي تقيّم جودة الحياة ككل وتشجع على ازدهار الأفراد والمجتمعات في البلد. يستند الإطار إلى القيم الثقافية السائدة في بوتان والمعتقدات البوذية بشأن معنى السعادة والرفاه.1 ولا يقتصر تقييم الإطار للرفاه على قياس النواتج الاقتصادية، كالناتج المحلي الإجمالي.

يُعد الإطار دليلاً للحكومات وأصحاب المصلحة في اتخاذ القرارات على أساس نواتج الرفاه، ويشتمل على دليل السعادة الوطنية الإجمالية، وهو أداة فرز لتقييم الآثار المحتملة للسياسات المقترحة على السعادة الوطنية الإجمالية، وبالتالي على التنمية المستدامة والعادلة، تُستخدم في جميع القرارات العامة التي يتخذها مكتب رئيس الوزراء.2 يساعد الدليل على معرفة ما إذا كانت آثار السياسات سلبيةً أم مشكوكاً فيها أم حياديةً أم إيجابيةً، على مختلف مؤشرات السعادة الوطنية الإجمالية. وليست الحكومة هي فقط من يسترشد بالدليل، بل كذلك المؤسسات كالشركات والمنظمات غير الحكومية والأوساط الأكاديمية ورواد الأعمال.3 والغاية المنشودة هي أن تعمل مشاريع الحكومة وسياساتها معاً وكافةً بحيث تحقق أكبر قيمة للسعادة الوطنية الإجمالية.

يرتكز دليل السعادة الوطنية الإجمالية على تعديل لطريقة ألكير-فوستر في القياس المتعدد الأبعاد، ويحدد أربعة فئات من الأشخاص: غير سعداء، وبالكاد سعداء، ووافرو السعادة، وعميقو السعادة. يستكشف الدليل مستوى السعادة التي يتمتع بها الناس بالفعل، ثم يركز على كيفية زيادة السعادة والاكتفاء لدى كل من الأشخاص السعداء وغير السعداء. وعلى هذا النحو، يقدم الدليل إطاراً للتنمية ولتخصيص الموارد باستخدام أدوات الفرز، وقياس الرفاه والتقدم على مر الزمن، فتسترشد به العمليات الوطنية للتخطيط وتحديد الأهداف ذات الأولوية على الأمدين القصير والطويل.4

التنفيذ

تُنفَّذ سياسة السعادة الوطنية الإجمالية في بوتان بالاستعانة بدليل السعادة الوطنية الإجمالية، وهو أداة قياس طوّرها مركز بوتان للدراسات، تجمع بين المنظور الذاتي للرفاه والقيم الجوهرية السائدة في البلد، ما أفضى إلى اعتماد تسعة أبعاد و33 مؤشراً.5 وتحويل هذه المؤشرات إلى إجراءات يتطلب تصنيفاً دقيقاً لأوجه معيشة مواطني بوتان، وتتبعاً دقيقاً لها. يشرف مركز بوتان للدراسات وبحوث السعادة الوطنية الإجمالية، على المسوح التي تُجرى مرة كل خمس سنوات، على صعيد البلد بكامله وتستهدف 8,000 أسرة تُختار عشوائياً. ويُقسم المسح إلى تسعة “مجالات” أو أبعاد، ويشمل 33 مؤشراً، ومئات المتغيرات. تشمل الفئات العامة مستويات المعيشة، والصحة، والتعليم، والتنوع الإيكولوجي والمنعة، واستخدام الوقت، والرفاه النفسي، وحيوية المجتمع المحلي، والحوكمة الرشيدة، والمنعة الثقافية ونشرها، وغير ذلك. تركز هذه الفئات على أهمية التوازن بين الأوجه المادية وغير المادية من الحياة، على غرار الحياة الروحية المشمولة في المؤشرات. يستغرق إجراء المسح حوالي ثلاث ساعات، ويعوَّض المشاركون بأجر نهار كامل.6

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فرز دليل السعادة الوطنية الإجمالية وفقاً لأيٍّ من الخصائص الديمغرافية، ما يعني إمكانية تفصيل البيانات حسب الفئة السكانية، مثلاً، بحيث تظهر تركيبة السعادة الوطنية الإجمالية بين الرجال والنساء، أو حسب المقاطعة، لتبيان أي من المجموعات تفتقر إلى التعليم.

التكلفة

لا شك في أنّ سياسة السعادة الوطنية الإجمالية تتطلّب الاستثمار في إعداد المسوح وإجرائها لرصد التقدم في الرفاه، لكنّ من أهم عوامل نجاحها الإرادة السياسية في تطوير الأطر. لا تتوفّر معلومات عن تكلفة إعداد سياسة السعادة الوطنية الإجمالية وأدواتها، مثل دليل السعادة الوطنية الإجمالية وأداة الفرز الخاصة به، لكن الحكومة وقعّت مذكرة تفاهم مع وكالات مختلفة بقيمة 22.47 مليون نغولتروم بوتاني (275,000 دولار أمريكي تقريباً) في إطار المسح الثالث للسعادة الوطنية الإجمالية، الذي كان من المفترض إجراؤه في عام 2021، فأخّرته جائحة كوفيد-19 .7

التقييم

رغم عدم تحديد أي روابط سببية، قد تكون سياسة السعادة الوطنية الإجمالية في بوتان حدت من عدم المساواة والإقصاء من خلال تعزيز التنمية المستدامة واستخدام أداة الفرز للحيلولة دون وقوع آثار سلبية على رفاه السكان. وانخفضت قيمة معامل جيني للبلد، من 40.9 في عام 2003 إلى 37.4 في عام 2017، 8 كما تراجعت حصة أغنى 10 في المائة من الدخل من 0.6 في عام 2012 إلى 0.58 في عام 2021 .9

واستُخدمت أداة الفرز المتعلقة بالسعادة الوطنية الإجمالية لتقييم الآثار المحتملة للمشاريع، بما في ذلك مشروع للطاقة الكهرومائية،10 ويُعتقد أن الأداة ساهمت في نجاح بوتان في الاستجابة لجائحة كوفيد-19 ،11 حيث تمكن البلد من الإسراع بفرض إقفال على المستوى الوطني، وإغلاق حدوده. ولربما ساعد على ذلك تركيز البلد على التنمية المستدامة والرفاه بدلاً من النمو الاقتصادي المحض. وساعد التماسك الاجتماعي المتين والتركيز على الرفاه الجماعي على نشر ثقافة الالتزام بتدابير الصحة العامة والوقاية من انتشار الفيروس.

وتتوفر أيضاً أدلة على إمكانات الحوكمة التي ييسرها هذا النوع من الأطر، حيث يشعر أصحاب المصلحة بالرضا، وتشيد منظمات المجتمع المدني بالنهج الكلي الذي تتبعه السياسة إزاء التنمية.12 وقد ترسخت في بوتان، على مدى تاريخ طويل، الروابط التقليدية والممارسات المجتمعية التي تشدد على الاكتفاء الذاتي الوطني، والمشاركة في المجتمعات المحلية، والتماسك الاجتماعي، وهي مبادئ السعادة الوطنية الإجمالية. تؤدي هذه المبادئ دوراً هاماً في التنمية الاقتصادية والبيئية في البلد، وفي الحفاظ على ثقافته وتماسك مجتمعه. ومن هذا المنطلق، ترتبط الحكومة مع المجتمع المدني بعلاقة تكامل، بحيث يساهم كل منهما في الآخر، لا سيما أنهما يتشاركان القيم والمبادئ نفسها.

ويعزى نجاح السياسة أيضاً إلى كيفية تعريف شعب بوتان للسعادة، وكيفية تقييمه للحياة الجيدة،13 لأن أهالي بوتان يركزون على الرفاه المتكامل للفرد والمجتمع، وليس فقط على الثروة المادية، وتستند القرارات إلى القيم الروحية والثقافية والبيئية لهذا الشعب. على سبيل المثال، تتوفّر أدلة على أن المشاركة في المجتمع ورأس المال الاجتماعي، الذي يُقاس بالثقة والتعاون والشبكات الاجتماعية، لديهما أثر إيجابي في تعزيز التنمية المستدامة في بوتان، إذ يدفعان إلى نتائج أفضل في برامج الحراجة،14 ويدعوان إلى المساواة في إدارة الموارد.15

المراجع

وسوم