العربية
NYU Pathfinders logo
التمويل العام المنصف للأحزاب السياسية: ألمانيا

نظام تمويل عام للأحزاب السياسية في ألمانيا من أجل انتخابات شفافة ومنصفة

6 يونيو 2023
تأليف: رتويك دوتا

أنشأ قانون الأحزاب السياسية لعام 1967 (ويسمى بالألمانية: “Parteiengesetz” أو “ParteienG“) نظاماً للتمويل العام للأحزاب السياسية في ألمانيا، أُطلق عليه اسم نظام التمويل المنصف للأحزاب. يعزّز هذا النظام روحية الإنصاف في الانتخابات بإتاحة تمويل من الحكومة، ويزيد شفافيتها بفرض التصريح العلني عن جميع التبرعات التي تزيد قيمتها على 10,000 يورو (11,000 دولار أمريكي).1

علاوة على ضرورة التصريح عن جميع التبرعات الخاصة التي تزيد قيمتها على 10,000 يورو (11,000 دولار أمريكي)، يقضي قانون الأحزاب السياسية بأن يُحدَّد مقدار ما يتلقاه كل حزب من تمويل الدولة بمدى “تجذّر الحزب في المجتمع”. ويُحدَّد مدى تجذّر الحزب في المجتمع بعدد الأصوات التي يكسبها في أحدث عملية انتخابية، ومقدار الأموال التي يجمعّها من خلال مساهمات أعضائه، وحجم التبرعات التي يحصل عليها بصورة قانونية من الكيانات الخاصة.2 ينطبق هذا القانون على الانتخابات الأوروبية والوطنية ودون الوطنية. ويُستخدم التمويل المتأتي من الدولة في إدارة الحزب والانتخابات.

ولا يمكن لمقدار الأموال العامة التي يتلقاها أي حزب أن يزيد على مقدار الأموال الخاصة التي يجمّعها الحزب نفسه، ما يعني أنّ على الأحزاب أن تحصّل 50 في المائة على الأقلّ من تمويلها عبر مصادر غير الدولة. 3 ويُسمح بتبرعات من الخارج طالما لا تزيد قيمتها على 1,000 يورو (1,110 دولار أمريكي)، شرط أن يكون الطرف المتبرِّع مواطناً ألمانياً أو شركة يمتلك ألمانيّون غالبية حصصها.4 ولا يُسمح بتبرعات من مجهولين تزيد قيمتها على 1,000 يورو.5

التنفيذ

يُنفَّذ نظام التمويل المنصف للأحزاب بموجب القسمَين 4 و5 من قانون الأحزاب السياسية الصادر في عام 1967. 6 يدخل تنفيذ هذه اللوائح والتمويل العام ضمن اختصاص رئيس البوندستاغ (البرلمان الفدرالي الألماني) والمحكمة الدستورية الفدرالية.

ووفقاً للقانون، على الأحزاب السياسية في ألمانيا أن تقدّم لرئيس البوندستاغ تصريحاً سنوياً عاماً عن حساباتها. وينبغي أن تتضمن هذه التصريحات قائمة بجميع مصادر الأموال التي تلقاها الحزب خلال السنة،7 واستخدامات هذه الأموال، بالإضافة إلى قائمة بجميع أصول الحزب . ويجب أن يُدوَّن في التصريح أيُّ تبرع للحزب، أو لأي من فروعه الإقليمية، بقيمة 10,000 يورو أو أكثر، مع الإشارة إلى اسم الطرف المتبرع وعنوانه.8 أما إذا زادت قيمة التبرع على 50,000 يورو، فلا بد من الإبلاغ عنها فوراً إلى رئيس البوندستاغ، الذي يطلب نشر هذه المعلومات على الموقع الإلكتروني للبرلمان.8 وتجدر الإشارة إلى أنّ التبرعات التي يمكن أن يقدمها الأفراد أو المؤسسات التجارية غير محدّدة بقيمة معيّنة.10

وبالنسبة إلى التمويل من الدولة، فيُقدّر بعدد الأصوات، وتساوي قيمة كل صوت من أول أربعة ملايين صوت 1 يورو، أما إذا زاد عدد الأصوات على ذلك، فتساوي قيمة كل صوت إضافي 0.83 يورو.11 وكذلك، تضيف الدولة 0.45 يورو مقابل كل يورو يتلقاه الحزب من مصادر أخرى، كالتبرعات ورسوم العضوية والمساهمات من أصحاب المناصب المنتخبين، بما لا يزيد على 3,300 يورو لكل مساهم.12

التكلفة

يحدّد رئيس البوندستاغ، في كل سنة، التمويل الأقصى المتاح للأحزاب السياسية من الدولة. وقد تزايد مجموع التمويل الذي تقدمه الدولة للأحزاب السياسية كثيراً على مدى السنوات الأخيرة، فبلغ في عام 2010 حوالي 133 مليون يورو (147 مليون دولار أمريكي)، ليصل في عام 2021 إلى 200 مليون يورو (220 مليون دولار أمريكي).13 وما مكّن من تحقيق هذه الزيادة الكبيرة هو تعديل على قانون الأحزاب جرى إقراره في عام 2018، إذ حاجج الحزبان الحاكمان آنذاك (حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني) بأن آخر التطورات، كوسائل التواصل الاجتماعي والتحول الرقمي، تتطلّب مزيداً من التمويل للأحزاب السياسية.14 وقد أُقرّ التعديل رغم معارضة الأحزاب الأخرى في البرلمان.

التقييم

الأحزاب السياسية التي لديها نفوذ أوسع على المجتمع تتطلّب المزيد من التمويل المحايد مقارنةً بغيرها. ويعني ذلك في النظام الألماني أن الأحزاب الأصغر حجماً أو الحديثة التكوين ستكون في وضع غير مؤات لأنها ليست بالأهمية نفسها، وبالتالي ستتلقى قدراً أقل من التمويل المحايد.15 ساعد نظام التمويل المنصف على استقرار نسبة إيرادات الأحزاب السياسية الألمانية التي تأتي من رسوم العضوية،16 ما حدّ من التفاوت في التمويل بين أحزاب الغالبية وأحزاب الأقلية على الرغم من تراجع الدعم المقدّم من القواعد الشعبية خلال العقود الأخيرة نتيجة لتناقص أعداد المنتسبين إلى الأحزاب السياسية.17

وزاد النظام أيضاً من الشفافية إذ فرض على الأحزاب السياسية تقديم تصريح سنوي بشأن جمعها للأموال، ليمكّن المواطنين من معرفة هوية الأطراف التي تموّلها، ومساءلتها على أفعالها. وبالنتيجة، ووفقاً لآليات المساءلة العامة الأوروبية، تسجل ألمانيا درجة 100/100 في الإبلاغ والرقابة وفرض الجزاءات في ما يتصل بالتمويل العام، وذلك مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ 86/100 .18 ويحدّ النظام أيضاً من نفوذ الجهات الخاصة المتبرّعة، إذ يتيح مصادر بديلة للإيرادات من خلال التمويل العام على أساس عدد الأصوات التي تكسبها الأحزاب وتبرعات الأعضاء، كما يحدّ حصة الإيرادات الخاصة إلى 50 في المائة من مجموع الإيرادات. وقد أدت متطلبات الشفافية، على الأمد الطويل، إلى تراجع مساهمات الشركات كمصدر للتمويل السياسي.19 ساهمت هذه العوامل في تعزيز استقلاليّة الدولة من خلال إضعاف إمكانية استيلاء الشركات الخاصة عليها، والحدّ من نفوذها على صنع القرار السياسي.

غير أن شرط “التجذّر في المجتمع” يعني أن الأحزاب ذات الآراء المتطرفة تتلقى هي أيضاً تمويلاً من الدولة. فعلى سبيل المثال، تلقّى الحزب الوطني الديمقراطي (وهو حزب نازي جديد) تمويلاً بقيمة 350,000 يورو (386,000 دولار أمريكي) من التمويل العام للأحزاب السياسية في عامَي 2020 و2021 .20

وكذلك، أعرب البعض عن قلقهم من أن النظم ليست صارمة بما فيه الكفاية، ومن أن الالتفاف عليها سهل. ففي عام 2018، أفادت منظمة غير حكومية اسمها Lobbycontrol بأن الرئيس التنفيذي لشركة تبيع آلات القمار تبرّع بحوالي 120,000 يورو لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا، مقسّمة على خمسة مبالغ، واحد بصفته الفردية وخمسة عبر أعماله التجارية، وكان كل مبلغ دون الحدّ البالغ 50,000 يورو،21 ما أتاح له تفادي التصريح العلني الفوري عن تبرعاته.

معلومات إضافية

أصبحت قضايا الشفافية المالية وتنظيم تمويل الأحزاب شديدة الأهميّة في السياسة الألمانية بعد عام 1945، نتيجة للدور الهام الذي أدّاه المتبرّعون الصناعيون في ارتقاء هتلر إلى السلطة خلال ثلاثينات القرن الماضي. ولذلك يلزم الدستور الألماني، منذ عام 1949، جميع الأحزاب السياسية الإعلان عن مصادر أموالها. وبقي هذا المطلب حبراً على ورق حتى عام 1967، حين جرى إقرار أول قانون تضمّن قواعد محددة للتصريح.

المراجع

وسوم