العربية
NYU Pathfinders logo
لجان الوساطة "أبونزي": رواندا

لجان الوساطة "أبونزي": آلية تقليدية لتسوية النزاعات من أجل تمكين المجتمع المحلي وتعزيز دوره

3 يونيو 2023
تأليف: Laura Ospina

تشكّل لجان الوساطة “أبونزي”1 في رواندا آليةً تقليدية فريدة من نوعها ومحدّدة السياق لتسوية النزاعات، تلبّي احتياجات الناس إلى العدالة في المجتمعات الخارجة من النزاعات. وهذه اللجان هي جزءٌ من نظام العدالة الرواندي، وتشدّد على أهمية اتباع نهج تصالحي2 لفض النزاعات بين الناس. وهي أيضاً صلة الوصل بين العدالة الرسمية والعدالة المجتمعية/العرفية، تستكمل دور الدولة المثقلة بالأعباء والمفتقرة إلى الموارد في معظم الأحيان، فلا تقدر على تحقيق العدالة بفعّالية وفي أوانها.3

وسطاء “الأبونزي” هم أشخاص معروفون في المجتمع، تتحرّى عنهم وزارة العدل قبل أن تختارهم السلطات البلدية على أساس نزاهتهم (يشهد لهم المجتمع المحلي بالصدق وبالالتزام بالمبادئ الأخلاقية). يعالج الوسطاء القضايا المحلية المدنية والجنائية، مثل ملكية الأراضي ووراثتها، وبدل رعاية الأطفال الذين تخلّى عنهم ذووهم، وخرق الاتفاقات المتبادلة، والعنف المنزلي، والمسائل الأسرية، وغيرها.4

بعد إحالة نزاعٍ ما إلى لجنة الوساطة، تختار الأطراف المعنية ثلاثة وسطاء “أبونزي” من بين أعضاء اللجنة لرئاسة جلسة الوساطة. وتُجرى الجلسة علناً، ما لم يقرّر الوسطاء خلاف ذلك بمبادرةٍ منهم أو بناء على طلبٍ يوجّه إليهم. وخلال الجلسة، يستمع الوسطاء إلى كلّ طرف وإلى الشهود الذين قد يقدّمهم الطرفان، للمساعدة على التوصّل إلى تسوية، وفي حال عدم الاتفاق على التسوية، يصدر الوسطاء قراراً بموجب القانون، أو بحسب ثقافة المكان الذي تُجرى فيه تسوية النزاع، أو حسب ما يملي عليهم ضميرهم، شرط ألّا يتعارض مع القانون المكتوب. ولا بدّ من التوصّل إلى تسوية في غضون شهر واحد من يوم تسجيل النزاع. ولا بدّ من أن يدوّن الوسطاء الحكم وأن يوقّعوا على كلّ صفحة من اتفاق الوساطة، وأن يصدروه في غضون عشرة أيام من تاريخ حلّ النزاع.5

تركّز جلسات الوساطة على مفهوم “الوحدة” (أو حسّ الانتماء الرواندي) وتوليه أهميّة محوريّة، في مقابل حسّ الانتماء لجماعات الهوتو أو التوتسي أو التوا.6 بمعنى آخر، يركّز هذا المفهوم على أنّ النزاع القائم لا يؤثّر على الطرفين المعنيين فحسب، بل أيضاً على المجتمع الذي يعيشان فيه. لذلك، تُجرى هذه الوساطات عادةً بحضور أفراد الأسرة أو العشيرة أو المجتمع المحلي، وتحثّ على إعادة بناء مفهوم الوحدة أو الانتماء إلى المجتمع.7

التنفيذ

اكتسى نظام “أبونزي” بطابع شرعي في كافة أنحاء البلد بعد الإبادة الجماعية في عام 1994، مع العلم أنّ وسطاء “الأبونزي” معروفون من قبل الاستعمار كونهم جزءاً من نموذج مجتمعي تقليدي لتسوية النزاعات. وفي عام 2006، اعتمدت الحكومة الرواندية القانون الأساسي رقم 2006/31 الذي أقرّ بدور لجان الوساطة “الأبونزي” في تسوية النزاعات، وذلك سعياً إلى تحقيق اللامركزية في توفير خدمات العدالة وجعلها ميسورة التكلفة ومتاحة للأشخاص على كافة المستويات.8 وكفل هذا القانون إنشاء لجان وساطة “الأبونزي” وتفعيل دورها، باعتبارها منتدى للمشاركة العامة في تسوية النزاعات المجتمعية. وتتولى وزارة العدل والسلطات المحلية مسؤولية الإشراف على هذه اللجان.9

حالياً، يعمل أكثر من 38,000 وسيط “أبونزي” في رواندا على المستوى المحلي، وتشير التقديرات إلى تمكّن اللجان من تسوية أكثر من 90,000 نزاع بين مجموعات مختلفة من الأفراد حتى عام 2020. وتتألف لجان “الأبونزي” من اثني عشر شخصاً، ينتخبهم مجلس الخلية10 أو مجلس القطاع على التوالي لمدّة خمس سنوات قابلة للتجديد.11 وينصّ القانون رقم 2006/31 والقانون الأساسي رقم OL/2010/02 على إلزامية اللجوء إلى وساطة “الأبونزي” قبل التماس العدالة أمام المحاكم المحلية، وذلك في ما يتعلق بالنزاعات على مستوى الخلية والقطاع والقضايا الجنائية والمدنية التي تقلّ فيها قيمة الممتلكات عن 3 ملايين فرنك رواندي (أي حوالي 2,700 دولار أمريكي).12

التكلفة

تتلقى لجان “الأبونزي” تعويضات عينية من الحكومة ومن القطاع الخاص رغم أنّها تعمل على أساس تطوّعي وبدون أجر. فخلال السنة المالية 2018-2019 مثلاً، حصل ما مجموعه 15,183 وسيطاً من وسطاء “أبونزي” ومُعاليهم الذين بلغ عددهم 56,799، على تأمين صحي مجتمعي بتغطية شاملة. كما استفاد 13,030 وسيطاً من بطاقات شهرية للاتصال (أي بطاقات SIM) من أجل تيسير اتصالهم بزملائهم من وسطاء “الأبونزي” وموظفي وزارة العدل. كذلك، زُوّد الوسطاء بما يعادل 13,100 دراجة هوائية سعياً لتسهيل عملهم اليومي. 13

التقييم

صرّح وزير العدل والنائب العام السابق جونستون بوسينجي، خلال مقابلة أجريت معه في عام 2020، أنّ وساطة “الأبونزي” قد ساهمت في خفض عدد القضايا المحالة إلى المحاكم بنسبة 85 في المائة، وحظيت على استحسان المواطنين بنسبة 78 في المائة، وسجّلت معدّل 77 في المائة على مستوى النزاهة.14

وأتاح نظام “الأبونزي” للمواطنين العاديين فرصة المشاركة في الإجراءات العامة، مثل تحقيق العدالة وإصلاح الحوكمة. وعلى سبيل المثال، يكفل الدستور أن تشكّل النساء 30 في المائة على الأقلّ من وسطاء اللجان.15 بالتالي، لم يمكّن هذا النظام المرأة من المشاركة النشِطة كوسيطة فحسب، بل أيضاً كرائدة للتغيير تتحدّى مفاهيم التراتبية الرأسية التي غالباً ما تسود المؤسسات التقليدية/العرفية.16

نظراً لازدياد شعبية نظام “الأبونزي” كوسيلة ناجحة لتسوية النزاعات وتحقيق العدالة، سلّمت الحكومة الرواندية بأهمية توطيد هيكليته وإضفاء طابع رسمي عليه. لذلك، يتلقى وسطاء “الأبونزي” اليوم دورات تدريبية دورية في مجالات عدة منها تسوية النزاعات الداخلية، إضافة إلى الدعم اللوجستي من المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وذلك من أجل تحسين نوعية خدمات الوساطة التي تقدّمها هذه اللجان.17

لكنّ لجان “الأبونزي” تواجه تحديات تتمثّل في وقوعها أحياناً ضحية التسييس والاستغلال من قبل الطبقة الحاكمة، لأسباب مختلفة18. وبما أنّ هذه اللجان تشكّل جزءاً من النظام القضائي، فإن زيادة تدخّل الدولة في تحديد صلاحياتها وولايتها وسير عملها من شأنه أن يُضعف استقلاليتها، ويهدّد بإعادتها إلى النظام المركزي مع أنها مبادرات محلية ولامركزية.19

رغم هذه التحدّيات، أصبحت هذه المؤسسة التقليدية الرواندية جزءاً من الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد النزاع، وأحدثت تآزراً بين المؤسسات التقليدية والحديثة المعنيّة بتسوية النزاعات، فكان لا بدّ من مأسستها. واليوم، أصبح التعاون بين الحكومة الوطنية وأنظمة العدالة المجتمعية المحلية واقعاً لا بدّ منه في مسائل الوصول إلى العدالة.

المراجع

وسوم